الشهيد الثاني
36
تمهيد القواعد الأصولية والعربية لتفريع قواعد الأحكام الشرعية
أصل مصدرية الرجحان وهو أولى من تسميته مكروها ، لرجحان فعله في الجملة ، ولا يندفع الأول إلا بذلك . وأما الثاني ، فالاستحباب المتعلق بالفرد الكامل من أفراد المخير لا يقوم غيره مقامه مع جواز تركه ؛ والبدل الحاصل من فعل الآخر إنما هو بدل الفرد الآخر من حيث الوجوب ، لا الاستحباب ، إذ لا يشتمل على فضيلة المتروك ، فالاستحباب فيه عيني ، والوجوب تخييري ، فلا منافاة . وبهذا يظهر أنّ محلهما مختلف ، إذ محل الوجوب أمر كلي ، ومحل الاستحباب جزئي شخصي ؛ وهو أظهر في عدم التناقض . وأما الثالث ، فمبنى جعلهم الحكم متعلق بالفعل على أنّ المكلف به لا بد أن يكون فعلا ؛ ليمكن إحداثه وتركه ؛ إذ الترك عدمي لا قدرة على تركه ، لاستلزامه تحصيل الحاصل . ومن ثم جعلوا التكليف به متعلقا بإيجاد ضده ، أو توطين النّفس عليه هربا من ذلك « 1 » . ومعنى كراهة الترك يرجع إلى كراهة الفعل المشتمل عليه أو نحو ذلك . إذا تقرر ذلك فيتفرع على القاعدة المذكورة فروع كثيرة أمرها واضح بعد ما قررناه . وذلك كالطهارة بالماء المسخّن بالشمس للأحياء ، وبالمسخن بالنار للأموات ، والصلاة في الأوقات الخمسة والأماكن المشهورة ، واستحباب الجهر بالبسملة في مواضع الإخفات وبالقراءة في الجمعة وظهرها على قول ، والجمعة في حال الغيبة ، وقراءة سورة معيّنة في بعض الفرائض والنوافل ، والهرولة بالسعي في مواضعه ، والجهر للإمام بأذكاره الواجبة ، والإخفات
--> ( 1 ) التمهيد للأسنوي : 98 ، منهاج الأصول ( نهاية السؤل ) 2 : 305 .